حوار مع شيخ الطريقة الشبراوية الخلوتية

By سبتمبر 7, 2021حوارات

حوار مع شيخ الطريقة الشبراوية الخلوتية

أدار الحوار وكتبه: إسلام لطفي

شيخ “الشبراوية الخلوتية”: ليس للتصوف شيئًا مختلفًا قائمًا بذاته عن الإسلام

التصوف في أساسه هو الإسلام وهو يعتني بالميراث النبوي

نحن أهل دين وليس لنا مآرب سياسية

 

قال م. محمد عبدالخالق الشبراوي، شيخ الطريقة الشبراوية الخلوتية، إنَّ التصوف هو الإسلام، ويعتمد على تلاوة القرآن، تزكية النفس، تعليم الكتاب والحكمة والمعرفة بأحكام الإسلام، وليس شيئًا مختلفًا قائمًا بذاته عن الدين.

وأضاف في حوارٍ لـ”بوابة الطرق الصوفية”، أنَّ الكرامات وخوارق العادات ليست للذين سلكوا الطريق الصوفي ولكنها للمبتدئين لكي يثبتوا على الطريق.

وذكر أن الطريقة الشبراوية الخلوتية، أوَّل مَن نادت أولي الأمر بتعليق تنظيم الموالد، لحين الانتهاء من أزمة كورونا، حتى لا يحدث انتشار للوباء بين الناس،

وإلى نص الحوار..

 

المبادئ الحقيقية للتصوف

  • كثير من الناس لا يعلمون ما هي مبادئ التصوف.. كيف يمكن تبسيطها إلى العامة؟

  • بدايةً التصوف هو الإسلام، حيث يقول المولى سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (الجمعة: 2).

وقال سبحانه: “رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (البقرة: 129).

وقال تعالى:”كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 151).

وتضمنت الآيات: “لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (آل عمران: 164).

إذًا.. الميراث النبوي الشريف ثلاثة أشياء: تلاوة القرآن، تزكية النفس، تعليم الكتاب والحكمة والمعرفة بأحكام الإسلام.. فتلاوة القرآن وتعليم الكتاب والحكمة ومعرفة أحكام الإسلام المنوط بها الأزهر الشريف.

أمَّا تزكية النفس وهي الأساس من الميراث النبوى الذي ظلَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال ثلاث عشرة عامًا في مكة قبل هجرته يُربي به صحابته، فالتصوف في أساسه هو الإسلام وهو يعتني بالميراث النبوي من الثلاثة أشياء السابقة، إذ ليس التصوف شيئًا مختلفًا قائمًا بذاته عن الإسلام.

ومن هنا يتم تعليم أبناء التصوف بالميراث النبوي، الذي حدده القرآن الكريم من الالتزام بالكتاب والسنة.

 

مكانة التصوف في العالم

  • للتصوف الإسلامي مكانة عظيمة في العالم كله عبر العصور التاريخية.. هل ترى أنه يحظى بمكانته الحقيقية أم يحتاج إلى اهتمام أكبر؟

  • انطلاقًا من أن التصوف هو الإسلام، إذًا يكفي التصوف فخرًا أنه يعتنقه ملياري ونصف المليار مسلم في جميع أنحاء العالم بمبادئه السمحة، فالإرث النبوي الذي اعتنقه مَن آمن به وبمبادئه السمحة قد حكم المولى عز وجل بأنه دائمًا هو الحق، فمكانة التصوف عظيمة كما قلت عبر العصور التاريخية إذ كانت وما زالت

 

دور الصوفية في مواجهة الأفكار الرجعية

  • انتشرت الأفكار المتشددة والتكفيرية التي تهدم الإسلام ولا تبنيه.. ما دور أهل التصوف في نشر فكرهم بالحكمة والموعظة الحسنة؟

  • يكمن ذلك في ثلاثة أمور أولها: إن الفكر يكون من رأس صاحبه، أما الدين الإسلامي من أساسياته الإيمان بالغيبيات، حيث قال تعالى:” الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (البقرة: 3).

فأصول الدين ثابتة لا تتغيَّر، لأنها جاءت من الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله الذى لا ينطق عن الهوى.

ثانيًّا: الخطأ يكون ناتجًا عن الفَهم غير الصحيح لأصول الدين، إذ إنَّ الفكر صادر من رأس صاحبه حسب أهواؤه وملذاته وأغراضه وليس لأصول الدين دخل في هذا.

ثالثًا: إذًا عدم الفَهم الصحيح هو الموصل للرجعية وتبعاتها الهدامة، لكن الفَهم الأمثل الواضح للأصول كما هي في الدين هو الموصل الحقيقي للحكمة والموعظة الحسنة.. وهذا هو دور التصوف الثابت الذي لا يتغير أبدًا.

 

  • جماعة الإخوان الإرهابية أفسدت الأجواء السياسية وشوَّهت صورة الإسلام.. هل تحل الصوفية بديلًا عنها لنشر صحيح الدين؟

  • تم الحكم عليهم بأنهم جماعة إرهابية وبالطبع هم أفسدوا الحياة السياسية، وتكالبوا على كراسي الحُكم حتى ولو كان على حساب الدين، إذ اتخذوا من الدين مطية لتحقيق أهدافهم وأهواء أنفسهم.

والدين لا يستطيع أحد أن يشوهه، حيث مَن تعهد بحفظه هو القاهر فوق عباده، حيث قال الله: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر: 9).. فمَن يشوه يشوه نفسه ولا يقدر على تشويه الدين أحد.

أمَّا الصوفية فلا يجوز تشبيههم بذلك، لأننا أهل دين نصلح به الدنيا، فلا يجوز تشبيه الصوفية بالإرهابية أو أنها تحل محلها.

 

  • إذًا.. كيف يُمكن استفادة الأجيال الجديدة من قيادات الطرق لنشر الإسلام الوسطي؟

  • لكل طريقة من الطرق سلسلة من المشايخ إلى حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منَّا يعلم مشايخه جيدًا ويعلم مآثرهم، لأن مَن لم يعلم آباءه في الطريق يعتبر لقيطًا وحاشا لأبناء الطريق أن يكونوا لقطاء.

فالكل يعرف مشايخه إلى حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم مآثرهم من استعمال أورادهم التي تنشرح بها الصدور ومعرفة الوجدنيات التي تنازل قلوبهم من الإلهام الصادق.

 

  • تجاهل العديد من الناس الجانب الروحي ويهتمون بالجانب المادي.. ما مدى تأثير ذلك؟

  • بدايةً الجانب المادي هو المتعلق بالحسيات والواجب الأخذ منها بقدر، بحيث لا يكون لها سلطان على العبد في نقصان الطاعات، فلا تتملكه شهواته فمثلاً يكفيه القدر الكافي من الطعام والشراب والمنام والكلام بحسب الأدب النبوي في تهذيب هذا الجانب، إذ هو مطلوب لاستمرار الحياة، لكن يجب تهذيبه من خلال الزهد والورع، ولا يفهم أحد من ذلك أن الصوفية تبتعد عن الحياة العملية.

بل هي تهذب القلب وتؤدب النفس على أن تكون الصفات الحميدة هي التي يتحلى بها العبد ويتخلى عن الصفات الذميمة، فتكون الدنيا في يديه وليست في قلبه، لذلك يُسارع بما أنعم الله به عليه في إنفاقه سبل الخير.

أمَّا الجانب المقابل للمادي، فهو الغيبي وليس الروحي، إذ إن الروح من أمر الحق سبحانه وتعالى، حيث قال: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً” (الإسراء: 85).

فمَن اهتم بالجانب المادي وتجاهل المقابل له الذي هو الجانب الغيبي، فيكون حاله الوقوع في الخسران، حيث يقول تعالى: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” (الكهف: 103- 104).

فالإيمان بالغيبيات هو الذي يجعل الروح تتعلق بالملأ الأعلى، ومن هنا يأتي إليها الإلهام وتترقى في مقامات القرب من الحضرة الإلهية حتى تصل إلى الكمال.

 

علاقة خوارق العادات بالنسبة لأهل الصوفية

  • يدَّعى البعض أنهم أصحاب كرامات ويتسببون في تشويه حقيقة التصوف.. كيف ترى ذلك؟

  • هذه الكرامات ليس المقصود منها الإنسان الذي تجري على يديه هذه الكرامات، ولكن المقصود منها هم مَن حول هذا الإنسان، إذ يجريها المولى عز وجل على يديه وكأنه يقول لهم تعلقوا بهذا، وخذوا منه ما يجعلكم سعداء في الدنيا والآخرة.

ومع هذا يقول أئمة الصوفية بأنه لا يجب الأخذ بالكرامة لمَن لم يلتزم بالكتاب والسنة حتى ولو طار في الهواء أو مشي على الماء.

ومن أقوال بعض الصوفية لأبنائه في الطريق: “يا بني لا تنظر إلى الكرامة، فأنت تشتهي الكرامة، والله سبحانه وتعالى يطلب منك الاستقامة”، وأعلم أن الكرامات وخوارق العادات ليست للذين سلكوا الطريق الصوفي ولكنها للمبتدئين لكي يثبتوا على الطريق.

 

  • تُعاني الطرق الصوفية من غلق الأضرحة ومنع تنظيم الموالد إثر أزمة كورونا.. كيف تعوضون ذلك في طريقتكم؟

  • إن علاقة الصوفية بالأضرحة هي علاقة أرواح وليس علاقة أشباح، وانظر إلى حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من أحد من أمتي يُسلم علي إلا رد الله روحي إلي فأرد عليه السلام”.

فانظر إلى المسافة بيننا والمدينة المنورة، إذ ليس للمسافة المادية المحسوسة وزن عند الصوفية، فإغلاق الأضرحة لا يُضير أهل التصوف، كما أن الموالد هي مظهر من مظاهر التصوف وليست هي التصوف كله.

فإذا رأى أولوا الأمر أن هناك خطرًا من أي وباء أو أي شيء آخر كان أول المستجيبين هم الصوفية، وقد كانت الطريقة الشبراوية أول مَن نادت أولي الأمر بتعليق هذه المظاهر لحين الانتهاء من أزمة كورونا وقد استجابت الدولة مشكورة بتلبية هذه الدعوة الصوفية الشبراوية.

Leave a Reply